الزميلة كنار الليل: تحية طيبة
اهديك هذا المقال بعد إذن الفاضلة نور الشمري.
مها فهد الحجيلان - انتحار المرأة في السعودية
كاتبة مسلمة
(لا ذكر الله ولا ذكر ابليس يستطيع أن يغير الواقع) تحدد ثقافتنا العامة معايير اجتماعية خاصة بالرجل وأخرى خاصة بالمرأة، مما يخلق حياة مختلفة.يعيشها كل منهما. فالرجل لدينا يعيش في حريّة اجتماعية أكثر من الوضع الذي تعيشه المرأة التي رضيت أو أجبرت على حياة تقننها الممنوعات والمحرمات التي غالبا ما تكون غير مبررة أو مبالغ فيها. وعوضا عن الضغوطات الثقافية التي ربما تشترك فيها أغلبية النساء هناك من زاد عليها العذاب أكيالا مع عائلة قاسية أو زوج ظالم.
إن الكثير من النساء في هذه الحالة من البؤس والألم لا يعرفن أين يذهبن لطلب المساعدة والبحث عن جهة أو شخص مختص للتخفيف عنهن ومساعدتهن ماديا أو معنويا. وبسبب ذلك فإن المرأة تتقوقع على نفسها وينتابها شلل يعرقل تفكيرها؛ فتشعر أن الشخص الوحيد الذي تستطيع الانتقام منه والتنفيس عن نفسها من خلاله هو ذاتها. وهذا الشعور النفسي المنحرف دفع العديد من النساء على مختلف أعمارهن ومستوياتهن الثقافية إلى التفكير بالانتحار مرارا، وبعضهن قمن بالفعل بمحاولة الانتحار التي للأسف نجحت في بعض الحالات.
أتوقع أن هناك من يستغرب وجود حالات انتحار في مجتمعنا المسلم المحافظ أو أي مجتمع متدين آخر كون الانتحار في الأديان السماوية يعتبر من المحرمات التي قد تؤدي للعذاب الأبدي. ولكن الثقافة الدينية مهما بلغت تظل لدى البعض ثقافة طارئة أو بعبارة أخرى ثقافة عليا ليس من الضروري أن تتطابق مع الثقافة الخاصة للعائلة أو العشيرة التي تساهم بشكل مباشر ومنذ الصغر في تحديد هوية الفرد. إلى جانب ذلك يعاني مجتمعنا بشكل عام من الجفاف العاطفي وفقر التواصل الإنساني بين أفراده؛ فالكثير منا يعاني من مصاعب نفسية واجتماعية ولكن حينما يبحث عن أذن مصغية أو روح متفهمة أو حضن حان لا يجد سوى التسفيه والتحقير أو على أقل تقدير عدم الاكتراث بالشكل المطلوب أو التجاهل كلية؛ وهذا من العوامل التي تولد مشاعر سلبية مختلفة تتمثل في الوحدة والاكتئاب. وهذه المشاعر قد تتفاقم مع الوقت وتكرار الخبرات السيئة إلى أعراض عقلية من وسوسة وهوس وربما ذهان.
وبسبب أن المرأة لدينا غالبا ما تقضي معظم وقتها داخل المنزل، فهي أكثر عرضة للمتاعب النفسية من الرجل. كما أن كونها العنصر الضعيف اجتماعيا فهي تعاني من ظلم وتعد على حقوقها في بعض الأسر. فعلى سبيل المثال بعض النساء يجبرن على زوج لا يرتضينه، وبعضهن يتعرضن لمعاملة مهينة من عوائلهن أو أزواجهن لأسباب كثيرة، قد تكون لها علاقة بشخصها هي أو أطفالها أو راتبها، أو قد لا يكون لها سبب مباشر مثل كون زوجها يتعاطى المخدرات أو يعاني من مرض نفسي أو عقلي يخل بسلوكه معها ومع بقية الأسرة.
وحينما تجتمع هذه الضغوط الاجتماعية والنفسية دون رعاية طبية نفسية أو استشارة من مختص؛ فإن النتيجة تشير إلى أن هؤلاء النسوة هن أكثر عرضة للتفكير بالانتحار؛ باعتبار أن وضع حد للحياة يمثل هروبا من واقعهن المرير وفي نفس الوقت انتقاما من أنفسهن بسبب ضعفهن أو اختيارهن التعيس الذي جعلهن يعشن العذاب.
إن قصص الانتحار لم تعد نادرة في مجتمعنا، بل بدأنا نقرأ عنها أكثر في الآونة الأخيرة؛ ولا نعلم هل السبب تغيرات اجتماعية جديدة أم إن الإعلام بدأ يسلط الضوء أكثر على هذه الحالات التي يؤمل ألاّ تكون ظاهرة. ومن تلك القصص يمكن عرض قصة فتاة في السابعة عشرة من عمرها، من محافظة الطائف، تعاني من مرض نفسي لم يذكر الخبر سببه؛ ولكنها اختارت أن تنهي حياتها بطلقة رصاص من مسدس والدها، تلك الطلقة التي خرقت قلبها مباشرة بعد أن تركت رسالة قصيرة لوالدها تحثه أن يعتني بوالدتها وأخواتها.
كما نشرت كل من صحيفة الحياة وموقع "العربية نت" في 11 أغسطس من هذا العام قصة سيدتين سعوديتين تعانيان من المعاملة السيئة من ضرب وإهانة من عائلتهما مما دفعهن إلى محاولة الانتحار ببلع عقاقير طبية. وقد تمكن الأطباء من علاجهما، ولكن بعد أن سمعت إحداهما أنهما سيرجعان للعائلة بعد تماثلها للشفاء قامت بالهرب من المستشفى. يشار إلى أن السيدة الهاربة عمرها لا يتجاوز ثلاثين سنة وهي مطلقة ولها طفل يمنعها والده من رؤيته، ولهذا فهي تعيش مع عائلتها. أما السيدة الأخرى فعمرها خمسة وعشرون عاما، ولا تزال طالبة جامعية. وقد حاولت الحصول على قدر من مكافأتها لاستخدامها في الاكتتاب في "شركة إعمار" وسداد فاتورة عيادة الأسنان؛ ولكن يبدو أن أخاها رفض ذلك وربما عاملها بقسوة لا تليق بطلبها البسيط من مالها. وقد دفعها سلوكه العنيف هذا مع ما تراكم من معاملة سابقة وضغوط نفسية تواجهها في الأسرة إلى محاولة الانتحار الفاشلة.
كما نشرت صحيفة عكاظ في 20 يوليو 2006 قصة انتحار فتاة سعودية، عمرها أربع وعشرون سنة، من محافظة بلقرن، وقد شنقت نفسها في غرفتها. ويبدو أن هذه الفتاة كانت تعرف تماما ما كانت تفعل لأنها تركت رسالة لوالديها تعترف فيها أن قتل النفس حرام ولكنها اضطرت لذلك. ونشرت الصحيفة ذاتها في 8 أغسطس من هذا العام عن محاولة انتحار فتاة في الطائف بعد بلعها بعض الأدوية ومازال التحقيق جاريا في الأسباب.
ومما ينبغي التركيز عليه هنا هو أنه لا يمكن أن نعتبر هذه القصص من الشواذ بل إن مسؤوليتنا تتطلب دراسة الأسباب التي جعلت هؤلاء الفتيات يجبرن على اختيار طريقة مفجعة لإنهاء مشكلة يعشنها. أتوقع أننا كمجتمع مقصرون في توفير الرعاية المجانية والسرية اللازمة لمن تحتاج أو يحتاج المساعدة النفسية العاجلة؛ فالكثير من السيدات المقهورات لا يجدن من يساعدهن على زيارة الطبيب أو الاستشاري الاجتماعي لأن العائلة التي تعيش معها في الغالب هي أساس مشكلتها ولأن المرأة في بلادنا لا تستطيع أن تقود السيارة أو تخرج وحدها دون إذن محرمها على الأقل، فالكثير من هؤلاء النسوة يبقين معذبات بصمت ولكن بعنف شديد.
ومن هنا أتوقع أنه من المفيد أن يكون هناك هاتف مجاني ساخن تستطيع المرأة، وكذلك الرجل الاتصال به والحديث بشكل مباشر وسري مع مختص مدرب على مساعدة الشخص الذي يفكر بالانتحار أو ذلك الذي يعيش حالة نفسية سيئة قد تؤدي لمثل هذه الأفكار الفتاكة. كما أنه يجب تفعيل دور المشرفة الاجتماعية في المدرسة، وأن يعتمد مركز للاستشارة النفسية في الجامعات والكليات لأن الإنسان في هذا العمر الحرج يحتاج إلى رعاية وتوجيه من نوع خاص دون تأنيب أو حكم. إلى جانب حاجة مجتمعنا إلى تثقيف الفتيات والسيدات بالندوات والبرامج عن طرق التغلب على المشاعر السلبية وتحويلها إلى سلوك إيجابي وبناء الثقة بالنفس. ويتم ذلك إما بتغذية العقل بأفكار إيجابية عن الذات والقدرات الشخصية، وإما بأخذ المجازفات المدروسة وإثبات أن الضعف قد يكون وهما يكبل الطاقة الكامنة ويشل التفكير الصحي. إن مثل هذه البرامج تفيد في نشر الوعي الفكري لتفهم مشكلات الحياة ومحاولة التغلب عليها بالعقل والتدبر.
ولابد من الإشارة إلى وجود جهود تحاول حل مشكلات الناس النفسية عن طريق برامج التلفزيون والراديو. والحقيقة أن بعض تلك البرامج يغلب عليها الوعظ الأيديولوجي الذي ينحي المشكلة جانبا ويجعل الشخص يشعر بأنه مقصر في الدين أو الأخلاق مما يعطيه إيحاء بأن حل مشكلته يكمن في مضاعفة التدين أو الشعور بالذنب الذي يحتاج إلى تكفير. وبدلا من أن تحل مشكلة هذا الشخص تُخلق لديه مشكلة أو مشاكل أخرى تتمثل في رغبته في التكفير عن ذنوبه؛ ويظل يبحث عن وسيلة لذلك وربما يجد ضالته في العنف والتطرف. إن هذه البرامج التي تستغل مرض الناس وتوظف ضعفهم النفسي والعقلي لخدمة أيديولوجيات معينة إنما هي في الحقيقة تضر من حيث يعتقد أنها تنفع.
لهذا فإن وجود جهة مسؤولة من المختصين والمختصات في علم النفس وعلم الاجتماع وكذا الثقافة هي التي تستطيع القيام بمهمة تقديم الاستشارات والنصائح للمرضى الذين يعانون من مشكلات فظيعة تدفعهم نحو وضع حد لحياتهم عن طريق الانتحار الحسي أو النفسي. ويؤمل أن تكون هذه الجهة تقدم العلاج مجانا ولديها الطاقات والكوادر القادرة على مساعدة من هم في أمس الحاجة للعون.
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او
دخول